• كلمة الدكتور

    كلمة الدكتور كمال الأسطل:

    نسعى جاهدين لدعم الطالب الفلسطيني في كافة المجالات ، واستغلال التكنولوجيا المعلوماتية لذلك قمنا بانشاء الموقع الالكتروني , ويحتوي على مميزات عديدة من اجل ...
  • التفاعل والمشاركة

  • CV - السيرة الذاتية

الخميس14-12-2017

   خدمات الموقع

عزيزي الزائر الكريم يمكنك استخدام الخدمات التالية
  مراسلة الدكتور كمال الأسطل

  يمكنك التمتع بمزيد من الخدمات بعد التسجيل

  ملاحظة: ترسل جميع الملفات والأبحاث عل الإيميل التالي:
kamaltopic@gmail.com



  أقسام الموقع

الرئيسية
اصدارات
مذكرات
العائلة والأسرة
البوابة الالكترونية
المناهج والدراسات الجامعية
إستشارات وآراء
معرفة وحكم
Researches
قضايا
السيرة الذاتية - CV
الجديد في الفكر والسياسة

الوظيفة الحضارية للعروبة الإسلامية

 تاريخ النشر: 15/1/2017   وقت 1:18:02 مساءً   | طباعة |  ارسل لصديق

الوظيفة الحضارية للعروبة الإسلامية

تذكير بأفكار أستاذنا المرحوم العلامة والمغفور له حامد عبد الله ربيع

سوف أظل عربيا...سوف أظل عربيا فلسطينيا ...سوف أظل عربيا مسلما..

الوظيفة الحضارية للعروبة الإسلامية....الوظيفة الكفاحية لعالم السياسة

 

سوف أظل عربيا..قالها  العلامة المرحوم أستاذنا حامد ربيع . ونقولها وسنظل نرددها...

هذه الصرخة التي أطلقها أستاذنا المرحوم العلامة حامد ربيع  منذ أواخر سنوات السبعينات من القرن العشرين عندما أطلت النزعات الإقليمية والفرعونية والبابلية والكنعانية  والفينيقية والبحر متوسطية والعرقية والقطرية والجهوية والفئوية في القارة العربية...قالها حامد ربيع بكل وضوح من خلال الخبرة التاريخية التي ترى في الأمة العربية الواحدة مصدر القوة والمنعة في مواجهة التمزق والتفتت والضعف. نحن نكررها اليوم ونقول:

سوف أظل عربيا!

نعم سوف أظل عربيا! بل وسوف أظل فلسطينيا. صرختي في وجه  أصحاب الدكاكين السياسية الفلسطينية التي تدمر قضية الشعب الفلسطيني تقمع شعبها وتمزقه وتخلق له الأزمات حتى تنحرف بوصلته عن هدفه الأسمى وهو الحرية والإستقلال.....سوف أظل مسلما.. صرختي في وجه كل القتلة والمجرمين الذين يدمرون-بقصد أو عن غير قصد- صورة المسلم المتسامح صاحب الرسالة الحضارية للإنسانية جمعاء.. "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"

هل هو نوع من التعصب الأعمى؟ هل هي كبرياء ساذجة تأبى علينا إلا أن نتمسك بذلك الذي لا نستطيع تغييره؟ هل هو نوع من التحدي إزاء موجات التشكيك التي خرجت علينا منذ قرابة سبعة قرون متلصصة خافتة في أول الأمر صريحة وقحة في هذا العصر الذي نعيشه؟

كلا. إنه العقل والمنطق المجرد الذي لابد وأن يقودني إلى هذه الخاتمة...إننا نوجه حديثنا للجميع وفي مقدمتهم ما أسماه أستاذنا حامد ربيع رجال "الزفة السياسية". وأنا أسميهم أصحاب الدكاكين السياسية  Political shops .لعلهم يدركون أن منطق الوحدة العربية. والوحدة الإسلامية...ومنطق الوحدة الفلسطينية.. هو أيضا منطق المصلحة Interest  وأنه بهذا المعنى هو لغة العصر الذي نعيشه. لغة المصالح القومية للدول....عالم اليوم لا يقبل الكيانات الصغيرة التابعة، وأصحاب التجارة بالشعارات الجوفاء.. ولا يستطيع إلا أن ينظر بازدراء إلى تلك الدول الأشباح والدكاكين والوكالات التجارية التي لا تمثل أي وزن حقيقي في عالم القوى العملاقة. القوى السياسية المعاصرة تسعى لتضخيم إمكانياتها كما وكيفا ولم يعد عالم القرن الحادي والعشرين يقبل أن يستمع سوى للدول القادرة. والكيانات القوية..تطور نعيشه وسوف يزداد تأكيدا خلال الأعوام القادمة وهو قصة التاريخ الإنساني والتاريخ لا يمكن أن يهمل. وعندما تهمله القيادات فإنه قادر على أن ينتقم وانتقامه رهيب. إن أخطاء العالم العربي خلال تلك القرون السبعة كان لابد وأن يدفعها العالم العربي بشكل أو بآخر. إن مشكلتنا ليست في وجود إسرائيل فقط..لو تعلمت المنطقة العربية أن تكون قوة واحدة وإرادة متضامنة لما زرعت إسرائيل- لو لم توجد إسرائيل لخلقتها القوى العظمى المتلاعبة بالمنطقة..الضعف والتمزق هو الذي سمح لإسرائيل بالوجود في قلب المحيط العربي الإسلامي.

حديثنا اليوم لن يتجه إلى رجال "الزفة السياسية" الذين يرقصون على وقع وأنغام السلطة ورجال السلطة..نريد أن نتحدث إلى الإرادة الخلاقة التي ترى في الروح القوة الحقيقية... أولئك الذين خلقوا قصة الإنسانية فلندع جنبا المنتفعين والصفاقة والمطبلين والمزمرين: قشور سوف يحتويها النسيان. ولتجعل اليوم حديثنا يتجه إلى أولئك الذين جعلوا القدرة البشرية على الكشف والاستفسار محور الحياة والوجود.

أليس هذا ما دعت إليه حضارة أبائي وأجدادي؟ -كما قال حامد ربيع- أليس هذا هو جوهر الحضارة الإسلامية منذ أن خطت بدماء أبنائها صفحات الخلد في المنطقة العربية؟

سوف أدع تلك الأصوات التي تذكرني بنعيق البهائم –كما يقول حامد ربيع- والتي تخرج من آن لآخر في ذلة تحاول أن تخطب ود المستعمر الذي تدعو إلى زواله وتمارس كل السياسات من أجل بقاءه... هذه القيادات المتربعة على الكراسي ذاتها لا تشعر بحقيقتها، ولا يمكن أن يلمس دلالتها سوى المحلل المحايد الذي لم تستطع أبواق التسميم السياسي Political Toxication  وعلميات غسيل الدماغ  Brain Washing أن تصل إلى عقله ومنطقه أو تنال من وجدانه وعواطفه. ولن يكون ذلك التمسك بعروبتي فقط لأن الماضي الذي انتمي أليه يزيدني تعلقا بآبائي وأجدادي ولكن أيضا لأن الوظيفة الحضارية التي عهدت بها العناية الإلهية لأبنائي وأحفادي هي وحدها التي سوف تسمح للإنسانية بأن تتخطى مأساة العالم المعاصر.إن أولئك الذين يتصورون أن أمتي العربية تنتمي إلى صفحات الماضي التي طواها التاريخ يعكسون قناعة رسبتها مفاهيم التسميم الفكري التي سربتها في منطقتنا وقيمنا الحضارة الغربية.

 نعم يا  بني ..نعم يا  حفيدي ويا أحفادي عليك أن تعد نفسك لعالم مقبل سوف تكون أنت قائده، ولتطور سوف تكون أنت سيده ، ولحضارة سوف تكون أنت صانعها. سوف يأتي يوم تقف فيه شامخا بعظمة تقاليد آبائك وقيم أمتك، لأن هذه الحضارة وهذه القيم هي  وهي وحدها التي سوف تسمح لإنسان القرن الواحد والعشرين بأن يخرج من الجهالة التي يعيش فيها منذ قرابة أربعة عشر قرنا والتي أخرجته من طريقه السوي المستقيم بدعوى العقل والنور وهي ليست إلا ابتعاد عن العقل والنور.

 

الوظيفة الحضارية للأمة العربية والأمن الحضاري

لعل أول تساؤل لابد وأن نطرحه وأن نحاول الإجابة عليه بدقة ووضوح يدور حول التحديد لما نقصده بكلمة "وظيفة حضارية". لو تركنا جنبا الفقه الاستعماري، Colonial Thought لو صحت هذه الكلمة لما وجدنا أية محاولة حقيقية وجادة لتأصيل هذا المفهوم إلا في بعض التقاليد الكاثوليكية وكذلك في الفكر الصهيوني الذي أينع عقب حرب ما يسمى الأيام الستة  في شهر حزيران-يونيو 1967.

أولا: التقاليد الإستعمارية ومفهوم الوظيفة الحضارية The Civilizing Mission

التقاليد الإستعمارية تسوق مفهوم الوظيفة الحضارية كمبرر للإغتصاب والسيطرة على أراضي وثروات المجتمعات الملونة. هي تجعل من الكلمة مرادفا لفكرة خلق التمدن Urbanization أي دفع التقدم المادي بالأخذ بأساليب الحياة التي عرفتها وتعرفها  المجتمعات الأوروبية. بهذا المعنى ارتبطت جميع حركات الإستعمار الأوروبي وأثناء القرن التاسع عشر والقرن العشرين وخاصة الإستعمار الفرنسي والإنجليزي، وكذلك على الإستعمار  الأوروبي الأبيض في جنوب أفريقيا منذ القرن السابع عشر ، بالإضافة إلى الإستعمار الإيطالي في ليبيا والحبشة (أثيوبيا)  وغيرها من أشكال الإستعمار والإمبريالية. الذي لم يتردد في أن يدفع بهذه المدركات كأساس للقضاء على الحريات المحلية في قلب القرن العشرين ومن دولة ذات نظام فاشستي. مفهوم الوظيفة الحضارية بهذا المعنى ومن المنطلق الإستعماري في حقيقته دعائي لا يصمد أمام التجريح والتحليل والتدقيق وذلك لعدة أسباب منها:

 أولا: لأنه ينبع من مفهوم الدولة القومية، والدولة القومية The Nation-State  لم تكن في أي تطبيق من تطبيقاتها تعبيرا عن الوظيفة الحضارية للمجتمع السياسي.

 ثانيا: أن الدولة القومية تؤمن بمبدأ الدولة الحارس The Guard State  أي الدولة التي لا تقوم بوظيفة إيجابية، فكيف الحديث عن وظيفة حضارية؟

 

أضف إلى ذلك تساؤل آخر:

لماذا يجب التسليم بأن نموذج الممارسة الأوروبية في الحياة اليومية هو وحده مظهر التقدم الحضاري؟

أولا: هذا المفهوم لا يزال يسيطر على الفكر الأمريكي والغربي  رغم أنه أعيد تشكيله وطعم بعناصر جديدة إلا أنها لا تلغي جوهر الإطار الفكري. هذا المفهوم –الوظيفة الحضارية- هو الذي يبرر لا فقط الإستعمار بالمعنى التقليدي والتدخل العسكري الإنساني فقط بل والإستئصال العضوي والجسدي للوجود الإجتماعي في أبشع صوره. المجتمع الأسود، ثم مجتمع الهنود الحمر، نماذج لا تصلح ولا تقبل التمدين، ومن ثم يجب اقتطاعها بلا رحمة...هذا ما مارسه المستعمرون الأوروبيون في الولايات المتحدة وفي جنوب أفريقيا وفي فلسطين.

ثانيا: فلنترك جنبا حديث العدالة والأخلاقيات ولنقف إزاء ذلك التصور الثاني للوظيفة الحضارية والذي كان لابد أن يقود إلى نتائج خاطئة. القناعة  بأن التقدم الإقتصادي بمعنى الغنى واليسر هو وحده محور وعلامة التقدم الحضاري. وهذا غير صحيح. فالتقدم الإقتصادي تغير كمي على عكس التقدم الحضاري الذي هو ظاهرة كيفية. لماذا نذهب بعيدا لننظر حولنا: هل من يملك القدرة المادية هو وحده الذي يعبر عن التقدم الحضاري؟ بل أن مشاهدة الواقع قد تقطع بعكس ذلك .

ثالثا: من جانب آخر فإن المدركات الأمريكية والغربية  والمعاصرة قادت إلى ترسيب الاعتقاد بأن المعرفة بالقراءة والكتابة هي وحدها علامة  الثقافة التي هي تعبير عن الوجود الحضاري. مفهوم آخر خاطئ لسنا في حاجة إلى تجريح عناصره ولكن لنتذكر أن جميع لأنبياء والمرسلين كانوا جميعا أميين لا يعرفون القراءة والكتابة.

 

تعريف الوظيفة الحضارية

يرى العلامة حامد ربيع أن الوظيفة الحضارية "بأنها هي المهمة التي وضعتها الأقدار الإلهية في عنق جماعة معينة بصدد تطوير الوجود الإنساني والارتفاع به إلى مستوى معين من المثالية الحركية." ( أنظر، حامد ربيع، الوظيفة الحضارية للعروبة الإسلامية، سوف أظل عربيا، مجلة الموقف العربي، كتاب غير دوري، القاهرة ، العدد (29)أ أيلول –سبتمبر 1979، ص 34).

 وبهذا المعنى  الوظيفة الحضارية تفترض عناصر ثلاثة:

أولا: تأسيس العلاقة بين المواطن والدولة على قواعد معنوية وانطلاقا من مثاليات أخلاقية واحترام أدمية الإنسان وكرامته بكل ما تعنيه الكلمة من معان. الوظيفة الحضارية لا تتجه فقط إلى المجتمعات الخارجية ولكن أساسها أن تجعل كل مواطن أداة وسفيرا لنقل تلك الدعوة وتحقيق المثالية أيضا في حياته اليومية.

ثانيا:  المجتمع الذي يؤمن بوظيفة حضارية لابد وأن يسعى ليكون عالميا. الوظيفة الحضارية هي انطلاقة فكرية عالمية، هي إيمان بالتزام يتجه نحو الآخرين لإزالة ما في أذهانهم من جهالة وخلق الوعي الذاتي للقدرة على التحكم في مصير الفرد. إن الوظيفة الحضارية ناقوس يدق في ذهن كل فرد وإشعاع يضيء أمام كل إنسان ، ثم يأتي ذلك الفرد أو ذلك الإنسان فيتخذ قراره بحرية وقناعة لإنقاذ مصيره من التهلكة.

ثالثا: كذلك فإن الوظيفة الحضارية تؤمن كأحد منطلقاتها الفكرية باستمرارية الحقيقة الاجتماعية Continuity of the social fact process . إن الحياة هي نجاح وإخفاق، هي تقدم وتراجع، هي انتصار وهزيمة، ولكنها دائمة وبغض النظر عن مظهر التعبير عن تلك الديمومة فإن المجتمع الذي يدعى لأن يؤدي وظيفة حضارية يجب أن يملك عناصرها الاجتماعية، سواء كانت طبقة أو فئة أو مجموعة أو جماعة أفراد أو أمة قادرة على أن تحتفظ بنظام القيم Values System  الذي يميز تلك الوظيفة في نقائه وصفائه وأن تحميه بجسدها ولو في إطار من السرية والتمويه. هذه العناصر الثلاثة لم تعرفها الإنسانية حتى اليوم في أي نموذج حقيقي سوى في المجتمع  العربي الإسلامي. إن أمتي العربية والإسلامية التي هي أمة الوظيفة الحضارية هي وحدها المدعوة لأن تقود الإنسانية في الغد القريب لتخرج من الوحدة التي تعيشها والتي تعاني منها جميع نماذج الوجود الإنساني في مجتمعنا المعاصر.

 

الخبرة التاريخية الإنسانية وفشل التجارب الأخرى للقيام بالوظيفة الحضارية

 

أولا: أين النموذج الروماني من الوظيفة الحضارية؟

قد يتساءل البعض : أين الدولة الرومانية والمجتمع الروماني، عن بوليب و بلوتارك في تأصيل الوظيفة العالمية؟ الإجابة لا تحتمل الكثير من التفصيل. لقد ذكرنا أن العنصر الأساسي في الوظيفة الحضارية هو تأسيس العلاقة السياسية على نظام من القيم والأخلاقيات. الدولة الرومانية قامت على أساس سيادة العنصر الروماني، بل والغطرسة الرومانية وجعلت منطلقها منطق القوة والعنف. الخلاصة أن المجتمع الروماني لم يملك معنى الوظيفة الحضارية. وليس أدل على ذلك لا أنه لم يؤمن بأن إحدى وظائفه في غزواته المختلفة نشر أسلوب الحياة الرومانية The Roman Way of Life بل كان يعتقد بأن أحد عناصر عظمة الغزو الروماني هي أن يترك كل شعب يحكم نفسه بنفسه بقواعده الفطرية التقليدية بل وتقسيم المجتمعات إلى طبقات وفئات مواطنين Citizens ورعايا Subjects .

النموذج الروماني نظر لظاهرة القيادة السياسية نظرة استعلائية... مفهوم الأمير كما عرفته الحضارة الرومانية بصفة خاصة خلال عصر الإمبراطور . رغم أن كلمة الأمير قد لا تعبر تعبيراً صادقاً عن المفهوم الروماني حيث أن الاصطلاح الذي  تداولته النصوص الرومانية هي كلمة Principe  والتي تعني في معناها الحرفي الأول Prime إلا أن الخلفية العامة للمفهوم تظل واحدة وهي أن هناك فرد معين يرتفع عن سائر الأفراد فإذا به يحكم ولا يحكم وإذا به يأمر ولا يقبل أن يتقبل أي الأمر  وإذا به يقود ولا يقاد . هو يوصف بهذا المعنى بأنه الرأس أو Dux  والتي منها نبعت فيما بعد المفاهيم الفاشستية... ، الحضارة الرومانية هي حضارة أرستقراطية لا تقف فقط عند مجرد رفض مبدأ المساواة بل أنها ترفض المبدأ الديمقراطي في معناه التقليدي ، أن المساواة في التقاليد الرومانية تعني المساواة داخل الطبقة الاجتماعية ، فالمجتمع هو مجموعة متتابعة من الطبقات والممارسة السياسية أساسها مبدأ التكافؤ من حيث الأصل الاجتماعي وهكذا لا يجوز أن يفهم مبدأ المساواة مستقلاً عن المبدأ الطبقي بل أن الحقوق السياسية سوف توصف ويعبر عنها باصطلاحات تختلف تبعاً للانتماء الاجتماعي.  مفهوم الحرية بمعنى عدم الانضباط أو التقيد بالقيود التي تعني انتهاكاً للحرمة الإنسانية سوف يعبر عنه بالنسبة للطبقة العليا : الهيبة Digntas  أما بالنسبة للطبقة الوسطى فيسمى Libertas  ولكن لو انتقلنا إلى الطبقة السفلى فإذا بنا نصادف كلمة لا تعني إلا الإباحية  وعدم احترام القواعد والخروج عن الإطار المتداول للسلوك كلمة Leonia .

فالحضارة الرومانية رغم أنها كانت حضارة أرستقراطية إلا أنها دافعت دائماً عن مبدأ المساواة أمام العدالة.

 

ثانيا:المفهوم الكاثوليكي للوظيفة الحضارية (التبشير)

ارتبط المفهوم الكاثوليكي للوظيفة الحضارية بعملية التبشير   Preaching أي نشر الدعوة الكاثوليكية وجذب غير الكاثوليكي إلى حظيرة الكنيسة ، إلا أنه في الواقع يعود هذا المفهوم إلى القرن الثالث عشر. وهو الذي تبلور خلال تلك الفترة التي عرفت تلاحما وصداما بين التقاليد والتراث الإسلامي وقواعد الممارسة الكاثوليكية للوظيفة السياسية للكنيسة، وخلال فترة ارتفعت فيها سلطة الكنيسة الكاثوليكية معنويا وسياسيا إلى القمة ليقودنا في واقع الأمر إلى مفهوم أساسي وهو أن العقيدة الكاثوليكية هي وحدها الدين بمعناه الحقيقي. جميع الأديان الأخرى تصير إما إلحادا وإما خروجا على الدين الأصيل بحيث يجب تشجيع أبنائها على العودة إلى الصراط المستقيم. كان ينظر للإسلام على أنه نوع من الوظيفة إزاء التعاليم الكاثوليكية. كذلك اليهودية هي في حقيقتها خيانة للمبادئ المسيحية الأصيلة. أليس دم المسيح يقع في عنق هؤلاء الذين يصفون أنفسهم أبناء إسرائيل؟ على إن الواقع أن فكرة الوظيفة الحضارية في التراث الكاثوليكي تقودنا إلى مفهوم الدولة العالمية The Universal State كما ظهر في أفكار فريق من  فلاسفة العصور الوسطى وما بعدها. هذا المفهوم نتاج التقاء بين المفاهيم الإسلامية التي غزت العالم الأوروبي ومفاهيم الكاثوليكية السياسية، ثم مفاهيم الإنسانية الحضارية كما تلقفها بعض فلاسفة العصور الوسطى عن طريق سقراط. الذي يعنينا أن نذكره هو أن مفهوم الوظيفة الحضارية خلال تلك الفترة ومن منطلق التقاليد الكاثوليكية لم يقدر له الاكتمال. فحركات التحرر القومي والصدام بين النظم الملكية والنظم البابوية والانتهاء بطرد الكنيسة من الحياة المدنية  والسياسية مع الثورة الفرنسية الذي بدأ قبل ذلك على الأقل بقرنين من حيث الواقع المدني القومي، منع ذلك المفهوم من التكامل.

 

النموذج الكاثوليكي الحضاري انتهي بطرد الكنيسة من الحياة السياسية

رغم أن الحضارة الكاثوليكية حاولت أن تخلق نموذج الدولة العالمية إلا أنها سرعان ما أصابها الفشل حيث انتهت فإذا بالكنيسة ذاتها كقوة سياسية تطرد من الحياة السياسية عقب الثورة الفرنسية. إذا استثنيا الحروب الصليبية كتطبيق وحيد لمفهوم الوظيفة العالمية مع ما ارتبط بها من أخطاء ومغالطات فلا موضع للحديث عن وظيفة حضارية للدولة الكاثوليكية. أضف إلى ذلك أن الحروب الصليبية ذاتها انتهت بخيبة الأمل ودون أن تترك أي أثر دائم تعبيرا عن الوظيفة الحضارية أو العالمية في المنطقة العربية.

 

ثالثا: المفهوم الصهيوني للوظيفة الحضارية

المفهوم الصهيوني للوظيفة الحضارية يطرح علامات استفهام عديدة . لقد ظلت الصهيونية حتى إنشاء إسرائيل تتردد وتذبذب بين التشبه بالحضارة الأوروبية وبالدولة القومية من جانب والعودة إلى أصول التقاليد الكاثوليكية المتعلقة بالتبشير والحركات الصليبية في العصور الوسطى (راجع كمال محمد الأسطل، مستقبل إسرائيل بين الإستئصال والتذويب: دراسة حول المشابهة التاريخية بين الغزوة الصهيونية والغزوة الصليبية، دار الموقف العربي ، القاهرة، 1980، ص 5  ومابعدها). إلا أن الصهيونية بعد إنشاء إسرائيل وانتصار إسرائيل في حرب ما يسمى بالأيام الستة عام 1967، خرجت في ثوبها الجديد صريحة تتحدث عن وظيفة إسرائيل الحضارية في مجتمع القرن العشرين.  مما لا شك فيه أن الفقه والفكر الإسرائيلي يعاني تصدعا خطيرا، ولكن الأمر الذي يجب أن نعترف به هو أن هناك قناعة في إسرائيل بأن عليها أن تؤدي وظيفة حضارية في المجتمع الدولي المعاصر يمثل إحدى نقاط الالتقاء بين أغلب الاتجاهات السياسية التي تحاول الصياغة المنطقية لمستقبل إسرائيل. لا نريد الخوض في تفاصيل ولكن فلنتذكر الإطار العام:

1- بينما البعض يعتقد بأن وظيفة إسرائيل الحضارية هي أن تنقل إلى مجتمعات ما يسمى بالشرق الأوسط التقدم التكنولوجي الذي هو علامة التحضر.

2- يعتقد البعض الآخر بأن هذه الوظيفة لابد وأن تتركز حول خلق الصلة ومسالك الاتصال بين المجتمعات العربية والعالم الأوروبي،

3- إذ بنا نجد فريقا ثالثا يؤمن بأن هذه الوظيفة يجب أن تظل يهودية بمعنى أن إسرائيل يجب أن تظل يهودية ووظيفتها الحضارية لا تتجه إلا إلى ذلك المجتمع. لا تعنينا التفاصيل فليس هذا موضع الغوص في جزئياتها. ولنتذكر فقط أن بعض العرب قد اعتمدوا هذا المفهوم الحضاري للوجود الإسرائيلي في المنطقة العربية.

 

لا تزال الإجابة عن التساؤل غير واضحة وغير محددة. فجميع المفاهيم السابقة إما أنها لم يقدر لها التكامل النظمي وإما أنها مفاهيم دعائية.

 

رابعا: التراث الإسلامي ونماذج الوجود السياسي والحضاري: بين الوظيفة الحضارية والوظيفة العالمية للعروبة الإسلامية

هل نستطيع الحديث عن وظيفة حضارية في المجتمع الإسلامي؟ وهل كلمة الوظيفة الحضارية بهذا المعنى تصير مرادفا لكلمة الوظيفة العالمية؟ وكيف نتحدث عن مجتمع إسلامي ومنطلقنا الثابت هو أمتنا العربية؟ أين العروبة من الإسلام؟  يجب أن نذكر أن التراث الإسلامي قدم لنا على الأقل أربعة نماذج مختلفة للوجود السياسي كل منها يقدم طابعا ومذاقا مستقلا متميزا:

أولا: النموذج العربي

ثانيا: النموذج العثماني.

ثالثا: النموذج الهندي.

رابعا: النموذج الأفريقي.

 

قبل أن نقف إزاء النموذج العربي لتحديد وظيفته في التراث الإسلامي علينا أن نتذكر ملاحظتين كلتاهما لابد وأن تدعو للتأمل:

الملاحظة الأولى: وتنبع من الفقر المدقع في الفقه السياسي والحضاري الخاص بتحليل ودراسة هذه النماذج. هل يعلم القارئ أنه يستطيع أن يقضي حياته بحثا عن مقال واحد يحلل ويؤصل أيا من النموذج الهندي والنموذج الأفريقي باللغة العربية؟ هل يعقل أن العالم العربي وقد أضحى به مئات الجامعات ومراكز الأبحاث لا يوجد به عالم واحد يستطيع أن يقول بأنه يقضي وقته للإهتمام بهذين النموذجين؟

الملاحظة الثانية: هي أن هذا التعدد والتميز لا يمنع وجود علاقة الاستمرارية في الدولة الإسلامية بتطبيقاتها الأربعة. يظهر ذلك بصورة قاطعة في مفهومين أساسيين: نشر الدعوة أولا والجهاد ثانيا. النموذج العربي ورثه النموذج العثماني، والنموذج الهندي حمل بدورة تلك الشعلة في أقصى الشرق ليقابله في أقصى الغرب حاملا نفس الشعلة النموذج البربري. بل ويمكن القول أن شعلة الوظيفة الحضارية في هذه اللحظة التي نعيشها لا تتوهج إلا في وسط أسيا وصولا للقاهرة غربا ومرورا بالرياض ومكة . ورغم ذلك فإن قلب الوظيفة الحضارية يتمركز في تلك المنطقة التي تحتضنها بغداد شرقا والقاهرة  وحتى الدار البيضاء غربا ومكة جنوبا ودمشق شمالا. عواصم أربع من طبيعة علاقاتها يتبلور مفهوم الأمن القومي العربي. عواصم أربع تعني أمرين: سياج من القوة والمناعة لعواصم الإمبراطورية الدينية  أي للعواصم الروحية التي حول مقدساتها تتجمع جميع الأحاسيس والمشاعر الإسلامية.  مكة والمدينة وبيت المقدس. عواصم أربع أيضا هي وحدها التي  تمثل مفهوم الأمن القومي العربي. أليس هذا هو نقطة البداية في فهم حقيقة العلاقة بين العروبة الإسلامية والدعوة الإسلامية؟

وقبل أن نحاول التحديد الواضح والدقيق لعناصر الوظيفة العالمية للنموذج العربي فلنتذكر أن جميع النماذج الأخرى غير الإسلامية والتي قدر لها أن تؤدي وظيفة حضارية انتهت بالفشل.

 

 

خامسا:  الإطار الفكري للوظيفة الحضارية للعروبة الإسلامية: ماذا قدمت العروبة للغرب وللمجتمعات الأخرى؟

نستطيع أن نحدد حقيقة العناصر التي يتكون من حصيلتها لإطار العام للوظيفة الحضارية التي قدمها المجتمع العربي في نطاق التعامل بين الشعوب حول خمسة متغيرات، أو وظائف أساسية:

أولا: وحدت مجتمعات ما يسمى الشرق الأوسط، بحيث استطاعت أن تخلق من ذلك الثوب المهلهل من القبائل والفرق مجتمعا واحدا يتمركز حول قيادة واحدة ويسعى لتأدية وظيفة كبرى خلاقة.

ثانيا: خلقت هذه الجماعة العربية الإسلامية علاقة الوصل بين الحضارات الكبرى القديمة بكل ما أنجزته وقدمته الحضارة الحديثة بكل ما استطاعت أن تحققه من تجديد وبناء. النموذج العربي للوجود الإسلامي هو أيضا الذي خلق تلك العلاقة الثابتة بين التراث اليوناني والروماني من جانب والحضارة الغربية من جانب آخر.. هل كان يستطيع القديس توماس الإكويني ومن قبله أن يصل إلى أمهات الفلسفة والحكمة بل والعلوم الإغريقية إلا عبر العمل العربي الذي لم يقتصر على الاحتفاظ بذلك التراث بل قام بترجمته واهتم بتحليله وإبراز معالمه الخفية والحقيقية؟ جميع مؤرخي الحضارة الأوروبية يعترفون بذلك الفضل للجهود العربية حيث أن هذه الأمة هي التي خلقت حلقات الاتصال وأدوات التعامل المباشر الفكرية والعلمية مع جميع الحضارات وبلا استثناء.

 

ثالثا: استطاعت أمتي العربية أن تبني صرح حضارة جديدة تعاملت فيها عناصر الدعوة الدينية بالتقدم الحضاري بحيث أن المجتمع الأوروبي الذي قدر له أن يتلقف شعلة الحضارة في نهاية العصور الوسطى لم يبدأ من جديد وإنما سار على الدرب الذي وضعت أصوله معاناة الأمة العربية.

لسنا في حاجة أن نضيف كيف أن الأمة العربية قدمت حضارتها المتميزة. علينا أن نتذكر أن النموذج العربي يعني حقائق ثلاث: عظمة الإنسان، قوة المواطن، سمو الدين. حصيلة تلك الحضارة هي الجمع بين هذه العناصر الثلاثة دون الخلط بينها.

الناحية الثانية وهي المتعلقة بالتكنولوجيا. لقد تعود الجميع على التصور بأن التكنولوجيا والأخذ بأساليب التقدم العلمي في الممارسات اليومية هو تراث أوروبي، وهذا غير صحيح. إن المصدر الحقيقي للتكنولوجيا الأوروبية في العصور الوسطى بجميع ما تعنيه هذه الكلمة من طب وعلوم وفنون هو الإنجاز العربي. ومن يريد أن يقرأ شيئا بهذا الخصوص فليعد إلى المؤلف الإنجليزي الأشهر "وات"  يتابع تفاصيل التكنولوجيا العربية التي جعلت القيادات لأوروبية تقف في لحظة معينة من العالم العربي موقف الرهبة والخوف.

رابعا:  القيادة المصرية الشجاعة والجيش المصري البطل بقيادة القائد سيف الدين قطز جيش الأمة العربية هي التي قدر لها أن تحمي المجتمع الأوروبي من جحافل الهمجية المغولية والشرقية في تلك اللحظات التي كان فيها المجتمع الأوروبي لا يزال طفلا رضيعا لم يقف بعد على قدميه.

خامسا: كذلك فإن أمتي العربية هي وحدها التي وضعت أصول مفهوم الدولة العالمية. والعمل من أجل الإنسانية والناس أجمعين.

 

العروبة الإسلامية وخصائص التعامل الحضاري: قصة الإنسانية واختيار العناية الإلهية- العروبة الإسلامية للوظيفة الحضارية.

لن يستطيع أي محلل محايد أن يفهم حقيقة الوظيفة الحضارية التي عهدت بها العناية الإلهية لأمتي العربية الإسلامية إلا إذا ألقى نظرة كلية شاملة على حقيقة التطور العام الذي صبغ الإنسانية وموضع تلك الأمة من ذلك التصور.

 

ماهي قصة الإنسانية؟

 لو تركنا جانبا الجزئيات والتفاصيل لاستطعنا أن نؤكد كيف أن قصة الإنسان في سعيه نحو الخلود  والأمن تمركزت ونبعت من ثلاث قوى: 1

- الصين في أقصى الشرق،

 2- والإنسان الأوروبي في أقصى الغرب،

3- وقد توسطتهما أمتي العربية. على قوس ممتد ومتصل من البحر الأصفر على مشارف المحيط الهندي إلى أرض الغال Galle Land في أقصى الشمال الغربي، وبينهما البحر الصحراوي المتسع حيث تسوده قوة البداوة وصلابة الاتصال المباشر بالطبيعة في أقسى وأقصى صورها. تمركزت جميع عناصر التقدم للوجود الإنساني والتطور الحضاري نحو الكمال والارتقاء. جميع القوى الاجتماعية والاقتصاد والسياسة لم تكن سوى امتداد لهذه المراكز الثلاثة للثقل الإنساني، حيث تبلورت نماذج ثلاثة مختلفة ومتباينة للفرد والحضارة.

 

النماذج الثلاثة للفرد والحضارة لإنسانية

1-   المجتمع الصيني   Chinese Civilizationأولا حيث الكيان السياسي يمثل الأمة القومية المنغلقة على نفسها التي تأبى إلا الارتفاع بالاكتفاء الذاتي ، وحيث استطاعت على متسع زمني يصل إلى أكثر من أربعين قرنا أن تظل متماسكة لأنها لم تنشأ وتتطور استناد إلى حق الفتح ولكنها نبعت من مفهوم الرقي والسمو الحضاري والأخلاقي. رغم ذلك فإن هذه الأمة الصينية ظلت دائما وهي في حقيقة الأمر تحتقر الآخرين: إنها لا تهتم بما يعدو حدودها وهكذا أنشأت سور الصين العظيم الذي هو تعبير عن القوقعة الذاتية. من حيث علاقاتها الداخلية فإن احتقار الفرد أيضا هو محور تاريخها. وهكذا كانت الحضارة الصينية تعبيرا عن عنصرية مقنعة، امتهان للإنسان، نسيان للقيم الدينية.

2-    في مواجهة الأمة الصينية وفي نهاية الطرف الآخر من مراكز الثقل الحضاري نجد الحضارة الأوروبية European & Western Civilization. جماعة تحدثت دائما عن وحدتها ومع ذلك لم تستطع في أي مرحلة من مراحل تاريخها السياسي عقب اختفاء الدولة الرومانية أن تحقق تلك الوحدة السياسية سوى في نموذج الإتحاد لأوروبي الذي انسحبت بريطانيا من عضويته. وحدتها الحقيقة كانت دائما في مواجهة أعدائها وفي فلسفة تعاملها مع المجتمعات الأخرى المحيطة بها حيث سادتها مباديء ثلاثة: 1-القوة البطش من جانب،

2- والخديعة والكذب من جانب آخر،

3- والاستعلاء والتعصب من جانب ثالث.

الحضارة الأوروبية  حتى عندما غذتها الدعوة الدينية السماوية التي جاءت إليها من الصحاري العربية عبر البحر المتوسط لم تستطع أن ترفع من أخلاقياتها بل وأعادت صياغة تلك الأديان على ضوء أنانيتها الحركية وتعصبها العنصري، بل وانتهت بطرد ذلك الدين من حظيرتها الدنيوية بدعوى علمانية الدولة. إن الحضارة الأوروبية لم تتردد في فترات معينة من أن تلفظ ذلك التراث الديني وتعلن الرفض المطلق والطرد الكلي الكامل لمنزلة الإله من التعامل المدني. الأوروبي إباحي متعصب استفزازي يأبي إلا أن يستخدم جميع عناصر البطش الحيواني  والفيزيائي وقد صبغها بصورة من المثابرة المصطنعة. الحرية هي حق المواطن الغربي، والمساواة هي بين أبناء أوروبا، أما غير هؤلاء  فهم شعوب لا تصلح لاستخدام الحرية، ولا موضع بخصوصها لتطبيق مبدأ المساواة. لا نستطيع أن نفهم الأوروبي اليوم إن لم نعد لآبائه الرومان بقسوتهم وغيهم، فضلا عن ذلك التحلل الأخلاقي الذي يجعل من التاريخ الأوروبي صورة صارخة لكل ما يقدمه انحدار الإنسان إلى مرتبة الحيوان من خصائص وصفات. صيحات علماء القانون الدولي ابتداء من "جروسيوس" لم تقنع الضمير الأوروبي بأن يعود إلى وعيه وأن يرتفع عن تلك الممارسات. في مواجهة الصيني المتوقع والمنغلق يقف الأوروبي غازيا فاتحا ساعيا للاستحواذ على جميع الأدوات والوسائل، لا يحكمه في حركته سوى رغباته المادية وأنانيته الجماعية.

3-   بين الأول –الصيني المتقوقع والمنغلق-، والثاني- الأوروبي المادي والمتغطرس- يقف الإنسان العربي: نبله معتدل، وإيمانه متأصل، وصلاحيته للمثاليات تلقائية... وهكذا اختارت العناية الإلهية تلك الأرض العربية لتقدم الدعوة الربانية ولتزرع القيم والمثاليات الدينية. جميع الرسالات السماوية حملها الإنسان العربي للبشرية جمعاء. رسالة السماء..دين الإسلام من سيدنا آدم عليه السلام مرورا بجميع أنبياء ورسل الله عز وجل حملوا رسالة الإسلام..دين الحق..نوح..إبراهيم..يعقوب..موسى..عيسى..وصولا للرسول الأعظم  محمد صلى الله عليه وسلم..رسالة واحدة..وظيفة واحدة..دين واحد.." ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه"                                                                                                               

وهكذا كان التزاوج بين عنصر بشري بطبيعته خلق لتلك الدعوة ودعوة عالمية هي وسيلة الإنسان للارتقاء. العربي دون الإسلام ما كان يستطيع سوى أن يظل على حالته الأولى. والإسلام دون العروبة  ما كان قادرا على أن يونع ويزدهر وينتشر. العرب هم الذين حملوا لواء وراية الرسالة العالمية الحضارية للرسالات السماوية.

وهكذا جاءت وظيفة الدعوة العالمية للتعانق مع القدرة العربية فإذا بذلك النموذج للوجود الإنساني الذي عرفته تلك المنطقة العربية منذ الدعوة المحمدية حتى نهاية العصر العباسي الأول. هذا النموذج هو الذي سوف يظل دائما النبراس الحقيقي لكل من يريد أن يفهم حقيقة أمتي العربية الإسلامية: أمة القيم والعمالقة والحضارة والوظيفة الحضارية العالمية.

ولكن ماذا أصاب قياداتنا المعاصرة؟ لماذا ذهبت تروي عطشها في التراث الأوروبي متناسية حضارة أبائها؟ هل هو الانقطاع الزمني؟ أم هو مسئولية علمائنا المثقفين الذين أبوا إلا أن يسيروا في "الزفة السياسية"؟ أم نلوم أجهزة القمع البوليسية التي تسمى نفسها أجهزة أمنية وهي حاقدة  شعوبها وعلى كل مواطن يعبر عن حاجته لأبسط مطالب الحياة؟ الدكاكين السياسية بجميع أشكالها الفكرية  والطوائف والجماعات وأصحاب المقاولات الدموية والتي تنمي إلى الشركات الأم Mother Companies لا تصلح لقيادة أبنائها  وتقتل شعبها فكيف تقود شعبا أو تؤدي رسالة حضارية - كما يقول أستاذنا المرحوم العلامة حامد ربيع-. (حامد ربيع، سوف أظل عربيا، الوظيفة الحضارية للعروبة الإسلامية، الموقف العربي، العدد 29، القاهرة، سبتمبر (أيلول) 1979)، ص- ص 31-43).

 





تعليق طباعة عودة للخلف

عدد القراء: 246

عدد التعليقات: 0
مواضيع ذات صلة لا توجد اي مواضيع ذات صلة  


        تعليقات الزوار

Contact Us

feel free to contact us at our Email : kamaltopic@gmail.com

Dr. Kamal Mobile is :+970599843850

رؤية وأهداف

نهدف من خلال موقعنا إلى تزويد الطلاب والباحثين والمهتمين بخدمات علمية مجانية عالية المستوى ونشر أبحاث ودراسات اكاديمية

الدكتور كمال الأسطل,

Missiion Statement

Our goal is to provide students, researchers and interested people with high standard, free of charge scientific services and to publish academic researches.

Kamal Astal,