• كلمة الدكتور

    كلمة الدكتور كمال الأسطل:

    نسعى جاهدين لدعم الطالب الفلسطيني في كافة المجالات ، واستغلال التكنولوجيا المعلوماتية لذلك قمنا بانشاء الموقع الالكتروني , ويحتوي على مميزات عديدة من اجل ...
  • التفاعل والمشاركة

  • CV - السيرة الذاتية

الإثنين30-03-2020

الدولة المفترسة The Predatory State Professor Doctor KAMAL MM ALASTAL الأستاذ الدكتور كمال محمد محمد الأسطل

 تاريخ النشر: 25/12/2019   وقت 6:02:51 صباحا   | طباعة |  ارسل لصديق

الدولة المفترسة

The Predatory State

Professor Doctor KAMAL MM ALASTAL

الأستاذ الدكتور كمال محمد محمد الأسطل

 تدور الفكرة العامة هنا حول موضوع الدول المفترسة وتحولات الدول وطبيعة النظم المفترسة والثقافات الميراثية أو القائمة على الميراث وتركز على التوتر القائم بين فكرة أن تلك الدول تعكس جشع النخب الحاكمة وبين فكرة أن هذه الدول تظهر من استراتيجيات البقاء قصيرة المدى للنظم السياسية الهشة.

أولاً: ماهية الدولة المفترسة

يُعد الافتراس من إحدى المنظورات مكونًا رئيسيًا لحالة التنمية، ومن منظور آخر يمكن وضع الافتراس في مساره الجيد ومساره السيء. ونقدم التعريف الأكثر وضوحاً للدولة المفترسة بأنها: الدولة التي تفترس مواطنيها الذين يقيمون فيها وتقوم بسلب ممتلكاتهم المشتركة وتقديم القليل لهم في صورة خدمات يتم تقديمها، إن إحدى المسارات الناتجة عن هذا التعريف هي دراسة سبب انتهاج بعض القادة السياسيين لسياسات التي تعتبر غير أخلاقية لتعظيم وزيادة الموارد المتاحة ويقر هؤلاء القادة بأن تحسين رفاهية المواطنين قد يحدث تحولاً جوهريًا في السلطة السياسية مما قد يهدد بقائها، وقد استنتج هؤلاء القادة بأن الاحتفاظ بالقوة والسلطة ودعم التنمية الاقتصادية يعتبران هدفان متداخلان مشتركان وهو التناقض الذي يشير إلي العديد من الحالات الجوهرية.

أولا : لأن الحصول على السلطة السياسية يعتبر مجزي ومثمر بشكل خاص، لاسيما إذا كانت الإيرادات الخاصة بتعظيم تلك الموارد نادرة، ومن ثم فإن هذا يعتبر أكثر احتمالاً إذا قدمت سلطة الدولة إمكانية للحصول على الموارد الطبيعية القيمة أو فرص أخرى للتربح.

ثانيًا : إن القادة وأفراد النخب الحاكمة الأخرى بتلك الكيانات السياسية قد يرون أنفسهم معرضين لتهديدات داخلية مثل الانقلابات والهجمات من قبل المتمردين والمعارضة الانفصالية، ومن ثم فإن دعم تطوير القوى السياسية الأخرى بما في ذلك المصالح الجماعية لأصحاب الأعمال التجارية يعتبر هو محور ضمان بقاء النظام.

ثالثًا : إن من يتولون مقاليد السلطة السياسية قد يعتقدون بأن مناصبهم أو صفوفهم تحتوي على الأفراد والمجموعات ذات المصالح المتنوعة والخطيرة وأن الأشخاص المطلعين داخل السلطة والذين لديهم طموح يمكنهم استخدام مؤسسات الدول الموجهة نحو التنمية لبناء قواعد سلطتهم الخاصة. وفي ظل تلك الظروف الثلاثة: الكفاءة، البيروقراطية، حقوق الملكية والعناصر الأخرى لسيادة القانون المرتبطة بشكل جوهري بتقديم السمع للمواطنين فإنها تمثل تهديداً لبقاء النظام.

والدول المفترسة في هذا التحليل ليست فقط هي الدول التي تنخرط في استخلاص المال من المواطنين بشكل مفرط، فنظم الدول المفترسة تضعف المؤسسات وتقلل من شأن السياسات الضرورية للاحتفاظ بالمستوى الثابت للتنمية الاقتصادية عن قصد في إطار استراتيجية للبقاء من خلال زيادة استقلالية النظام وابتعاده عن تهديد الجماعات السياسية الأخرى، ومن ثم فإن المؤسسات القوية والتحول الاقتصادي لا يعتبران في المصلحة المباشرة لأحد الأوتواطيين في الدولة المفترسة، فزعزعة نظام المجتمع المدني يعتبر أساس البقاء السياسي.

ومن ثم تشتمل تلك الاستراتيجية السياسية عادة على تركيز السلطة في أيدي شخص واحد وغالباً ما يكون هو القائد الذي طالما كان يدعم مصالحه الذاتية ومجموعة من الأفراد الذين تربطهم علاقات شخصية ويتم ممارسة السلطة السياسية الأكبر من خلال شبكات موسعة من المعارف الشخصية التي تشتمل على تعيين المسئولين غير المؤهلين الذين تم اختيارهم لولائهم السياسي في تلك النظم البيروقراطية التي لا تتميز بالكفاءة بدلاً من اختيارهم لمؤهلاتهم الفنية؛ لذلك فإن إضعاف النظم البيروقراطية عن قصد من المعوقات أمام النمو الاقتصادي مما يؤدي إلي انخفاض الناتج الاقتصادي وزيادة حالة عدم الشعور بالأمن وانخفاض معدلات الرفاهية الاجتماعية للمواطنين. وعلى الرغم من ذلك يمكن أن تكون سلطة الدولة المفترسة مستقرة لفترات مستقرة زمنية طويلة. ولكن يبقي دور الانقلابات والانتفاضات والتنافسات السابقة للنخب المقسمة إلي فصائل في إيجاد أفق زمنية قصيرة استطاعت إحداث دوافع لبعض النظم الحاكمة للانخراط في السلوك المفترس بخلاف ما قد يفضله مسئولو تلك الدول وتعد هذه المشكلة خطيرة في جنوب الصحراء الأفريقية فعلى سبيل المثال خلال آخر أربعة عقود من القرن العشرين واجه رؤساء الدول الأفريقية حوالي 60 % من مخاطر إمكانية إبعادهم عن مناصبهم بطريقة قد تؤدي إلي الإعدام أو النفي.

إن المستويات المنخفضة لتقديم الخدمات العامة في ظل حكم الدولة المفترسة تضع تلك الدول في المستويات الدنيا للمؤشرات العامة للرفاهية الاجتماعية مثل مؤشر التنمية الإنسانية التابع للأمم المتحدة، ومؤشر الحريات السياسية مثل مؤشر دار الحرية والبيانات الاقتصادية المقارنة بالبنك العالمي بصندوق النقد الدولي وتشتمل ممارسات النظام المفترس على التسامح غير الرسمي عن وجود الفرق شبه العسكرية تحت سيطرة رجال السياسة على أساس المحسوبية.

إن النظم البيروقراطية في الدول المفترسة لا يعتبر الغرض منها هو العمل بفاعلية بسبب أن تلك الدول تستغل حالة انعدام الأمن لجعل النقاد مشغولين ومشتتين وأن تلك النظم تتسامح وتعفو عن السلوك غير القانوني خدمة للمحسوبية، فالبعض يسمى تلك الدول بالدول الفاشلة وذلك لابتعادها وحيادها عن التوقعات الخاصة بأداء الدول. لكن نظم الدولة المفترسة مازالت تسيطر على مقاليد الحكم ويحدث فشل الدولة عندما تفقد نظم الدولة المفترسة القدرة على تنظيم الشبكات السياسية، فعنف واضطراب الدول الفاشلة يعتبر ناتج عن المنافسة غير المقيدة بين عناصر تلك الشبكات السياسية المشرزمة، حيث إن القادة من مختلف الفصائل يتقاتلون فيما بينهم لتولي مقاليد الحكم في الدولة.

 

ثانيًا:  النشوء والتطور الفكري والنظري لمفهوم الدول المفترسة:

 

نشأ مفهوم الدول المفترسة في ثلاثة مسارات من الأدبيات العلمية: يركز المسار البيئي العالمي يركز على كيفية تشكيل التغيرات العالمية لظهور وتطور العلاقات التبادلية بين الحكام والمحكومين، ففي بعض الأمثلة التاريخية كان الافتراس فضيلة وقد ساعد في تمويل بناء الدولة وفي سياق عصرنا الحالي فإن هذا الاتجاه بأن الافتراس يعتبر رذيلة مدمرة فاتجاه الدوافع الثاني يشير إلي دور فرص التربح المباشرة في اختزال الدوافع طويلة المدى من مساومة على تقديم الخدمات والسلع العامة للمواطنين وعزل المجموعات الحاكمة عن الحاجة إلي الاهتمام برفاهية الرعايا بشكل فعال، أما الجانب الثالث وهو الميراثي فإنه يتعمق بالسياقات الاجتماعية ويتساءل بشأن ما إذا كانت الثقافات الميراثية أو القائمة على الميراث أو توارث السلطة السياسية في أفريقيا تحدد ظهور العديد من الدول المفترسة في تلك القارة وهو تشبياً تحديداً للسياقات التي من خلالها تم بناء علاقات المحسوبية بين مختلف النخب السياسية.

يركز الاتجاه البيئي العالمي على كيفية تحول السلطات السياسية من النهج والسب المتعمد إلي التربح المعياري والمحسوب من الأشخاص تحت سيطرتهم، وأن صناع الحرب وصناع الدولة هم الأشخاص الذين يستخدمون القوة ويسعون لتحقيق المصلحة الذاتية في الأقاليم التي قام فيها المشتركون بالاعتراف بالمصالح الذاتية لضمان أن يصبح الضحايا أكثر إنتاجية لأكبر قدر ممكن.

فالافتراس يعتبر جيداً في السياق الذي تعتمد عليه الروايات التاريخية عند بناء الدول، فالحكام يقرون من العائدات الكبيرة المتعمقة باحتكار السلطة والسيطرة على القوة ومراعاة مصالح القطاعات المنتجة في المجتمع، فيعد الافتراس جزءاً جوهرياً من التطور نحو قيام الحاكم بتقديم السمع العامة للمواطنين، وكيفية وتوقيت ظهور تلك العلاقة الفضيلة بين الافتراس والخدمات العامة أو الصالح العام ومتى لا تحدث، وفي هذا السياق يمكننا تحديد الأفق الزمنية التي يمكن من خلالها تحقيق تلك المكاسب، ومن ثم فإن هذا النوع المثالي من السلطة يمكنه احتكار سيطرته في هذا المجال حتى لا يمكن لمضحية إيجاد أية طرق أو سبل أخرى للفرار إليها.

إن الأفق الزمنية التي وضعها أولسون تقدم رؤى مفيدة للمواقف التي تواجه بعض النظم المعاصرة، ومن ثم فإن النظم التي تدرك التهديدات المباشرة التي تلحق

باحتكارها لمسيطرة على ضحاياها تواجه دوافع لتدريب أصول أفراد المجتمعات المنتجين وجعل الجميع يشعر بعدم الأمن إذا أدرك الحكام بأن ذلك سوف يحميهم من التهديدات المحلية المباشرة إذا ما انقضوا على السلطة ويمكن استخدام تلك الموارد لإدارة من لا يمكن قمعهم مثل الرجال الأقوياء الذين يمثلون المجتمعات العرقية وقادة الجيش وقوات الأمن بالإضافة إلي الرؤساء المحليين الآخرين.

إن الافتراس في هذا السياق لا يتبع المنطق الإقليمي الخاص بألسون، ولكنه يتبع المنطق الاجتماعي وأن المجموعات التي تهيمن على الموارد تعتبر تهديدات والمجموعات التي لا يجبر الحاكم على إدراجها في المفاوضات تصبح هدفاً للافتراس، فأصحاب الأعمال التجارية هم المرشحين الأوائل للافت ا رس في ظل تلك الظروف، حيث إنهم عادة ما ينقصهم الأساس الاجتماعي القوي في الدول الفقيرة فإذا ما اهتموا لتحقيق الكفاءة لتنازعت مصالحهم السياسية مع الأهداف المباشرة للنظم التي تعرب عن قلقها للحيلولة دون تكوين مجموعات المصالح السياسية المستقلة.

إن البعض يقوم بوضع مقارنات للعملية التاريخية لبناء الدولة استناداً على تحميل الأعمال الداخلية للدول المفترسة المعارضة، فالدول التي نالت استقلاليا بعد الحرب العالمية الثانية لم تلجأ إلي مسار بناء الدولة على التراث الأوروبي فمعظم الدول ورثت السكان المقسمين وفي العديد من الحالات كانت الإدارة الاستعمارية تحكم المواطنين على أساس عضويتهم في إحدى المجموعات العرقية، وبالتالي فإن حكام تلك الدول الجديدة يواجهون النشطاء العرقيين الأقوياء الذين احتلوا المناصب الإدارية الرئيسية التي غالباً ما كان يتم الهيمنة على القوات العسكرية الموروثة من قبل إحدى المجموعات العرقية التي كانت تتمتع بمهارة قمع المواطنين.

وعلى أية حال فبغض النظر عن درجة الانقسام الداخلي والاضطراب والفوضى، فإن النخب السياسية تعرف تاريخها لتولي مقاليد الحكم، ولكن هذه الدول لا تواجه انقراضًا لتلك النخب السياسية وأن تطوير الإجماع الدولي بعد الحرب العالمية الثانية التي أبادت غزو العديد من الدول الأخرى والتي قامت بحماية النظم التي انتهجت السياسات الاستراتيجية التي أوجدت ناتجاً اقتصادياً منخفضاً ومتدهورًا وأدت إلي إضعاف النظم البيروقراطية ووجود اضطراب داخلي يعتبر من الأوجه السلبية التي يتعين التأكيد عليها، أن الحكومات أصبحت غير مستقرة وذلك كلما أصبحت حدودها أكثر استقرارًا أي أنه كلما كانت الحدود أكثر استقرارًا أصبحت الحكومات أقل استقرارًا.

إن العلاقة بين الافتراس والهياكل العالمية تظهر في شرح جاكسون وروز برج لاستمرار ومثابرة الدول الضعيفة التي يخيم عليها الاضطراب الداخلي فقد ربطوا بقائها بالإجماع العالمي بأن كل مستعمرة سابقة يجوز لها الحصول على الحق في تقرير المصير في صورة الحكم من قبل النخب الأصلية داخل الحدود الاستعمارية الموروثة بغض النظر عن مستوى الاستعداد للاستقلال.

ولم يتم إجبار هؤلاء الحكام على الانخراط في الاستراتيجيات الصعبة ذات الخطورة السياسية للتفاوض أو التنازل عن الامتيازات لبعض الرعايا أو المواطنين في مقابل المشاركة في ثروتهم وطاقتهم الإنتاجية، وان تلك الدول تعتبر أشباه دول تبقى كلما كان الأشخاص أصحاب السيادة القضائية يمارسون كافة الأعمال السلطوية بغض النظر عن قدراتهم أو عدم الاهتمام بتقديم السمع أو الخدمات العامة. ويتضح سبب ذلك أن العديد من الدول المفترسة قد ظهرت في أفريقيا، فبخلاف الدول التي جاءت على مسار الانقسام أثناء الحرب الباردة في شرق آسيا، فإن حكام تلك الدول قد واجهوا ضغوطاً خارجية محدودة وأن الحكام الذين انحازوا إلي القوى الغربية، ولاسيما فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية قد تلقوا الموارد التي عزلت الحكام عن آثار سلوكهم المختلف. إن الثبات الجغرافي للدول الأفريقية الموروث من الهياكل الاجتماعية والجغرافية للحكم الاستعماري يعمل على حماية تلك النظم من إجبارها على مراعاة كافة الجوانب الواقعية، حيث تركتها تفترس من لم يمكنهم تولي السيطرة بشكل مباشر.

ويعكس الاتجاه البيئي العالمي الأول من الأدبيات أهمية التسلسل العالمي للدول وتطورها التاريخي ودور القواعد التي تحظر الغزو والتدخل وتدعم السلطة المستقلة، أما الاتجاه التحفيزي الثاني للأدبيات فإنه لا يرفض تلك النتائج لا ويركز بدلاً من ذلك على دور دوافع التربح المباشرة فيما يتعلق بحسابات الحكام كلما تم التزاوج ما بين السلطة والاقتصاد.

 

واذا كان مؤسسات الدولة ضعيفة بالفعل لأصبحت التجارة والصناعة تعاني، حيث إن الموارد الطبيعية الوفيرة تعتبر متاحة ولكنها غير مستغلة. وعلى أية حال فإن الأرباح التي يتم الحصول عليها من الموارد تذهب لمن يقومون بإقامة علاقات سياسية متمثلة غالباً في ائتلافات مسئولي الدولة وشركائهم التجاريين أصحاب الامتيازات، لذلك فإن تأثيرهم يظهر من خلال هيكل الدولة.

وعلى الرغم من أن الوعي بنقمة الموارد والمخاطر الأخلاقية بتلك الأرباح غير المحققة لو جذور عميقة في عمم الاقتصاد الكلاسيكي إلا أن الاهتمام بآثاره على طبيعة الحكم يعتبر اهتماماً حديثا. وفي نهاية الحرب الباردة فإن العلاقة بين الاعتماد على إيرادات صادرات الموارد الطبيعية وبين أحداث العنف والفساد التي ترتكبها الحكومات وبين ضعف الأداء الاقتصادي والحروب الأهلية قد جذبت مزيدًا من الاهتمام، وذلك نتيجة القرارات العقلانية من جانب المسئولين فيما يتعلق بدعم تلك المجموعات أو شراء ذمة تلك الجماعات من أجل السيطرة على مصدر الأرباح واستخدام متحصلاتها لإقصاء المجموعات الأخرى. و انطلاقًا من فكرة أن بعض النظم تعمل على تفاقم حالات مواطنيها عن قصد فأن المسئولين يمتنعون عن دعم التنوع الاقتصادي خوفاً من أن يؤدي هذا التنوع إلي تكوين مجموعات قوية سياسياً وفي المجتمعات شديدة الانقسام يربط المسئولون بين الحفاظ على احتكارهم للأرباح والسلطة وبين المثل السياسية مع المجموعات الضعيفة سياسياً وهو ما يعتبر دعوة للعب على أوتار التوترات العرقية والعمل على تفاقمها لمصلحة تلك النخبة المحدودة للغاية.

إن رفض تقديم الخدمات العامة يفترض أن الأطراف والجهات السياسية المحددة قد وجدت بأنه من مصلحتها أن تجعل الآخرين أكثر فقرًا وعدم الشعور بالأمان إذا ما كان ذلك سيتيح لهم فرص شخصية لنهب المواهب القيمة وطرح الحماية للمجتمعات الضعيفة وهذه الاستراتيجية الجديدة لممارسة السلطة السياسية بالطرق التي تقلل من شأن تقديم الخدمات العامة تتعلق بجوهر تعريف الدولة المفترسة المذكور سابقا، ومن ثم فإن هذا الاتجاه الثاني على الرغم من العيوب التي تعيقه إلا أنه يمكن أن يكون مفيدًا من حيث تفسير الحالات التي تؤدي إلى الافتراس ويؤكد في الوقت ذاته على الآليات التي توضح كيفية أن يمكن للحوافز قصيرة المدى أن توجد مسارًا تابعاً أو مستقلاً بعيداً عن مسار بناء الدولة، وبالتالي فإن ما يسمى بنقمة الموارد يفسر الكثير من المظاهر الهامة للافتراس بشكل جيد ولكنه لا يفسر التغيير بشكل جيد على الإطلاق.

وتتناول الطريقة القائمة على الميراث أو الحكم الوراثي للافتراس بعض الانتقادات، حيث إنها تراعي دور المؤسسات الاجتماعية وكيفية تمكنها من تشكيل تفاعلات بين الدول وبين رعاياها فالعديد من تلك الجهود الخاصة بتفسير وشرح الافتراس تستند على فكرة ماكس ويبر لتوارث السلطة أو السلطة القائمة على الميراث، حيث إن شخصنة الدولة واستخدام مناصبها وأصوليًا لتوزيعها على عشيرته ومجموعته تجعل منها سياقاً للتوارث وليست دولة كاملة الأركان.

إن الاتجاه العملي المليء بالأدبيات يوضح العلاقات الاجتماعية التي تربط الافتراس بالحفاظ على هياكل السلطة، لاسيما في أفريقيا وقد قام باتريك شابال وجين كلاود دالوز بتطوير حجة جوهرية حول أهمية استخدامات نظام العنف والإضعاف كاستراتيجية لمسيطرة والهيمنة، حيث قالوا بأن مسئولي النظام يستغلون روابط المحسوبية لوضع بذور الاستياء والشقاق بين العملاء ثم بعد ذلك يقومون باستخدام مناصبهم الرسمية لمعمل كوسطاء في تلك العملية، وهنا يثور دور الثقافة في إقامة الحكم المفترس في أفريقيا وذلك من خلال القبول العام الأشمل للممارسات والتي تعتبر غير قانونية أو غير اجتماعية في سياقات أخرى بخلاف ذلك. إضافة إلي الأفكار الرئيسية حول الدين والسلطة السياسية التي تمكن تلك النظم من الافتراس المشروع باعتباره صور من صور سياسة الرجل الكبير، بينما ذكر آخرون بأن علاقات التضامن القائمة على النسب والمصاهرة تدعم إحدى الأعراق التي تقبل الأنشطة المختلفة إذا ما كانت تفيد تلك المجموعة وأن الفساد في هذا المنظور يعتبر امتداداً لممارسة المحسوبية القائمة على تقاليد تقديم الهدايا والحماية المترسخة في الثقافات السياسية المحلية.

 

ثالثًا: الوضع الراهن للدول المفترسة

إن دراسة هذا المفهوم تركز على مجموعة مميزة من النظم بعد فترة الاستعمار والتي ظهرت فقط في النص الأخير من القرن العشرين أما عن الاتجاه الثالث للسلطة التوارثية الخاص بتلك الأدبيات فإنو يركز على السياقات المحلية والعلاقات الاجتماعية ويحدد الجذور العميقة في الحكم المفترس، ولكن تلك العناصر البيئية العالمية للاتجاه الأول التي تربط بين الظواهر وبين الهياكل العالمية الشاملة تركز على الشروط أو الظروف التي ظهرت خلال العمليات التي حدثت في عملية التخلص من الاستعمار ما بعد الحرب العالمية الثانية وقد يتمثل الأمر في أن الاتجاه التحفيزي يلعب فقط دور الوسيط مع السعي لتحقيق الدوافع الفردية التي تتم داخل سياقات أشمل للاتجاهين المذكورين. وحيث إن الدول المفترسة تعتبر مهمشة على الصعيد الدولي كما هو محدد في التفسيرات الهيكلية التي تحدد الخصائص أو الشخصيات المفترسة بها، إلا أن النظم في تلك الدول قد تخشى قيام الدول القوية بفرض ظروف أو شروط جديدة ترتبط بقبول سيادتها كدولة وأن هذا الإصرار الدولي على معايير أداء النظام يحاكي ويشبه الظروف التاريخية التي كان يتعين فيها على تلك النظم إظهار قدراتها على الحشد والاستفادة من الطاقات الإنتاجية لمواطنيها.

ويبدو التدخل الخارجي في شئون النظم المفترسة غير متوافق مما يعكس المصالح والقدرات الوطنية للأطراف المحتملة المتدخلة، وبغض النظر عن ذلك فإن مبادرة المسئولية عن الحماية قد قدمت منطقاً ومبررًا للتدخل المسلح في عام 2011 الموجه نحو إزالة النظام القائم في ليبيا ولتنفيذ العقوبات في عام 2012 التي كانت تستهدف إجبار النظام السوري على ترك الحكم وقد تم استخدام تبريرات مماثلة عام 1998 عندما قامت قوة تابعة لمجموعة غرب أفريقيا بدعم سياسي من الأمم المتحدة لإجبار النظام العسكري بسيراليون عن التنحي عن الحكم وفي عام 2003 عندما تم إجبار نظام تشارلز تايلور للتنحي عن حكم ليبيريا.

ومن ثم فإن التدخل الخارجي قد ظهر كتهديد حقيقي للنظام المفترس ولاسيما عندما يواجهون التحديات المحمية والمخاوف الدولية بشأن احتمال حدوث زعزعة استقرار محمية مما يؤدي إلى وجود انتهاكات لحقوق اللاجئين وحقوق الإنسان ويمكن أن يكون هذا الضغط الدولي استباقي أيضاً فتسريبات الاتصالات الدبلوماسية الأمريكية في 2011 قد سلطت الضوء على المدى الذي قام عنده المسئولون الأمريكيون باتهام الناشطين المحميين بإهانة النظم القائمة بما في ذلك مساعدة الناشطين بعد ذلك في سياق متناقض في تكوين شبكات بين جماعات المعارضة والناشطين في الشرق الأوسط وفي الدول الأخرى.

ولم يتضح بعد بأن الدول المفترسة تتمتع بحصانة من التهديدات العسكرية من جيرانها، ولذلك فإن حرب الوكلاء كانت شائعة في العقود القليلة الماضية، لا سيما بين الدول في جنوب آسيا وفي أجزاء من أفريقيا.

إن بقاء الدول المفترسة في هذا المناخ المتغير يطرح عدة تساؤلات هامة حول كيفية تأثر بقاء النظام المستبد بمجيء الانتخابات متعددة الاحزاب في أفريقيا وهي السمة السياسية التي أصبحت عالمية في أفريقيا وأصبحت شائعة في أواخر التسعينيات على الأقل بالمعنى الرسمي باستثناء ليبيا. ومن ثم فإن الحشد والتعبئة الوطنية القائمة على العنف تعتبر رد فعل ملائم لأزمة الدول المفترسة فقد وجد رجال السياسة بأن أكبر إغراء لاستخدام الجوانب والمناشدات الوطنية والعرقية عندما تكون مؤسسات الدولة هي الأكثر ضعفاً وهي نتيجة جوهرية لاستراتيجيات بقاء الدولة المفترسة. وثمة عمليات أخرى تدعم بقاء نظم الدول المفترسة مثل التي تستخدم العنف الطائفي لتشتيت المجتمعات التي تخرج عن سيطرة مؤسسات الدولة الرسمية.

 

رابعًا: مستقبل الدولة المفترسة

إن الافتراضات المتعددة الخاصة بمستقبل الدول المفترسة تعتبر افتراضات خطيرة، فقضية اللغة والتقاليد المشتركة في الصومال على سبيل المثال جعلتها رهاناً مقبولاً وملائماً لموحدة السياسية، إضافة إلي أن مستقبل العلاقات بين الهياكل الاجتماعية والدول المفترسة

ويثور التساؤل حول مدي قدرة استراتيجية القوى الناشئة على استعادة الزخم الذي تمتع به الضعفاء خلال الحرب الباردة مما مكنهم من لعب أدوار المناصرين العالميين لبعضهم البعض؟. إن هذا التطور قد يعيدنا إلى المعايير القديمة للقبول العالمي غير النقدي لسيادة الدولة المفترسة مما يسمح للمسئولين في تلك الدول للاستفادة السياسية الكاملة من الامتيازات المتعلقة بالسيادة سعياً لبقاء واستمرار النظام وهو الأمر الذي يشتمل على القدرة على منع الصفقات الداخلية حتى بالأعمال غير القانونية من المراقبة الخارجية وبدلاً من ذلك قد يؤدي هذا الانخراط إلى فتح آفاق جديدة للتراكم لتكوين أساس للمساومات السياسية المحمية الجديدة.

إن تطور ونشوء القواعد الدولية يقدم مجالاً خصباً ومرتعاً آخر للبحث في

مستقبل الدول المفترسة، فالضغوط الإقليمية للالتزام بالمعايير الدستورية بخصوص الأمور التي تحكم تغيير النظم قد ظهر في أمريكا اللاتينية وأفريقيا، ومن ثم فإن الميثاق الأمريكي لعام 2001 عن الديمقراطية قد قام بتقنين مبدأ عدم إمكانية الرجوع عن التحولات الديمقراطية وميثاق الاتحاد الأفريقي لعام 2007 عن الديمقراطية والانتخابات والحكم يضع مبادئ مماثلة تحظر تغيير النظم عبر الانقلابات ووسائل العنف الأخرى.

ومن ثم فإن تلك الاتفاقيات تعتبر قابلة للتفسير كأدوات للنظم الضعيفة والتي

لا تستطيع حماية نفسها حتى إذا تم مخالفة وانتهاك تلك الاتفاقيات عمليًا، ومن هنا

فإن أهمية التعاون الإقليمي دعماً للعمليات الدستورية لتغيير النظم تكمن في احتمال

التعاون لخفض مخاطرة النظم الحاكمة في السقوط القائم على العنف.

إن استراتيجيات النخبة تطرح تساؤلات مثيرة متعمقة بمصير الدول المفترسة فأزمة الدول المفترسة المشار إليها اتضحت في وقت تعاقب السلطة وقد كان ذلك بسبب أن استراتيجيات تلك الدول تعتبر معادية للمؤسسات ولتقديم الخدمات العامة وهو الأساس الخاص بتعري الدول المفترسة، ومن ثم فإنو يتعين تتبع الممارسات التقليدية لإدارة تعاقب الحكام فالشكوك التي تحيط بتعاقب الحكم تعتبر دعوات للتنافس العنيف بين الأطراف المطلعة داخل النظام على المنصب عند وفاة القائد أو إجباره على التنحي.

إن أحد المجالات القليلة المتاحة لتلك النظم هو تحويل أنفسهم إلى جمهوريات أو ممالك جمهورية، حيث إن الأبناء يتوارثون الرئاسة من آبائهم مدى الحياة كما يحدث في الجابون وتوجو وتركمنستان وسوريا وهي علامة واضحة على شخصنة منصب الدولة العليا وأن النظم الأخرى قد اتخذت خطوات في هذا الاتجاه، حيث إن الأبناء يتوارثون الحكم من آبائهم.

 





تعليق طباعة عودة للخلف

عدد القراء: 172

عدد التعليقات: 0
مواضيع ذات صلة

 

        تعليقات الزوار

Contact Us

feel free to contact us at our Email : kamaltopic@gmail.com

Dr. Kamal Mobile is :+970599843850

رؤية وأهداف

نهدف من خلال موقعنا إلى تزويد الطلاب والباحثين والمهتمين بخدمات علمية مجانية عالية المستوى ونشر أبحاث ودراسات اكاديمية

الدكتور كمال الأسطل,

Missiion Statement

Our goal is to provide students, researchers and interested people with high standard, free of charge scientific services and to publish academic researches.

Kamal Astal,